أختر اللغة
الرئيسية | المبالغة في التفكير… مرض العصر

المبالغة في التفكير… مرض العصر

تمضون ساعات وأنتم تجترّون نفس الأفكار. «كان يجب أن أجيب كذلك»، «لماذا لم أتنبّه وأقم بهذا العمل؟»، «كان عليّ الانتباه إلى هذه النقطة»، «لماذا تصرّف الشريك بهذا الشكل؟»، «هل يحبّني؟»، «لمَ أجابني زميلي بهذه الطريقة»؟… وغيرها من الأسئلة والمشاكل التي تدور في بالنا طوال النهار، فتسكننا من دون أن نتمكّن من طردها. النتيجة انّ مشاعر القلق والتوتر والندم تسيطر علينا وتهدم حاضرنا. وفي هذا الإطار يفسّر الخبراء الأسباب ويقدمون النصائح لحياة أسهل وأكثر عملية وإيجابية.

تؤكد دراسة أجرتها الأستاذة الأميركية في علم النفس في جامعة يال، سوزان نولن هوكسيما، أنّ من بين 1300 شخص تمّ اختيارهم بالصدفة، تبين أنّ 63 في المئة من الراشدين الشباب و52 في المئة من الكوادر هم من المفكرين بشكل زائد ومفرط. وفي العام 2013 أشارت دراسة أخرى أجرتها جامعات مانشستر وادينبورغ وليفربول في بريطانيا أنّ التركيز المفرط على النواحي السلبية لأمر معيّن هو المسبّب الأساسي للكآبة والانهيار النفسي.

السلبية في المبالغة

بعض الحيوانات تجترّ أكلها، وخصوصاً الجِمال. هم يقومون بهذه الخطوة لجعل الطعام سهل الهضم، أمّا نحن البشر فنجترّ الأفكار لهضم الأحداث ولبلع حقيقة صعبة التقبّل أو جديدة بحسب المعالجة النفسية كاترين أيمولي بيريسول، التي تؤكد أنّ العالم كله يجترّ أفكاره. إنّ اجترار الأفكار طبيعي عندما نواجه أوضاعاً معقدة وغير منتظرة، مثل نتائج مذرية في العمل أو في الدراسة أو ملاحظة مزعجة من زميل…

من جهته، يرى المتخصّص في علم النفس بوريس شاربانتييه أنّ التفكير باستمرار يساعدنا على تفادي المخاطر. فالدماغ يفتّش بشكل تلقائي لاكتشاف الأخطار التي تُحدق بنا. ولكن، إذا كان البعض يجترّ أفكاره بوتيرة طبيعية، يغرق البعض الآخر في دوّامة لا تنتهي من الأفكار السلبية التي لا تأخذ بعين الاعتبار سوى سيّئات حدث ما، من دون سواها، إلى حدّ الخروج عن المنطق. ويمكن أن يعود إلى بالهم أي حدث أزعجهم في أي لحظة ويُعيد معه مشاعر القلق والتوتر والشك. هؤلاء الأشخاص يدمرون أنفسهم بالتفكير السلبي وبالتركيز على نقاط الضعف والهفوات الصغيرة مُتناسين كلّ ما هو إيجابي وجيد في أي موقف ما. يفكرون حول ما كان يجب على الواقع أن يكون وليس حول ما هو عليه الحال فعلياً، وهذه الدوامة لا تنتهي في حياتهم بحسب المعالجة النفسية بيريسول.

نكران الواقع

من جهتها، تؤكد المعالجة النفسية سوزان نولن هوكسيما أنّ النساء أكثر عرضة لزيادة التفكير، وذلك لأنّ الرجال يتربّون على عدم التعبير المفرط عن مشاعرهم، فهم يفشّون خلقهم بالأفعال. ومهما كان جنس الشخص الذي يفكر بشكل مفرط، فهو يستقي طاقة التفكير من الخوف، ونقص الثقة بالنفس، ويعاني أحياناً من رسمه صورة غير واقعية عن ذاته. يحلم بنفسه أفضل ممّا هو عليه في الواقع أو يُسيء تقدير نفسه فيراها أقل مماّ هي عليه في الواقع، تؤكد بيريسول. هؤلاء أشخاص لم يواجهوا الواقع ويتوقون إلى المثالية إجمالاً. لا يرون الحياة كما هي إنما كما يجب أن تكون، تؤكد الاختصاصية. والبعض يقودهم استرجاع المواقف إلى أفكار درامية وأكثر تطرفاً، إذ يحللون ما حصل بطريقة سلبية راسمين سيناريوهات مأساوية. مثلاً، إنّ مجرد حديث عبر الهاتف مع صديقة يمكن أن يفجر سلسلة أفكار سلبية. «قالت لي إنّ صوتي خافت ويظهر عليّ التعب، هي لاحظت أنني لست على ما يرام، وهي على حق، فأنا لا أقوى على فعل شيء ولا أجيد فعل شيء». ويصف العالم النفسي بوريس شارباتييه ذلك بالكارثي.

كيف نوقِف اجترار الأفكار؟

حِيَل بسيطة يمكن أن تجنّبنا فَرط التفكير والسلبية الزائدة لتسهّل علينا حياتنا فتصبح أفضل وأجمل.

مواجهة الحقيقة

المرحلة الأولى تكمن في التنبّه إلى أننا نفكر بشكل مفرط ونجترّ الماضي وهموم المستقبل إلى حد كسر الحاضر وتشويهه وتدمير أنفسنا. فقط يكون فرط التفكير احتلّ حياتنا إلى حدّ اننا بتنا نعتبره طبيعياً ولا نتنبّه له. إنّ إدراكنا لواقعنا يساعدنا على التغيير، ويجب أن نسأل أنفسنا منذ متى نجترّ الأفكار نفسها ولماذا؟ ما يسمح لنا بتقبّل الواقع وإدراكه أكثر فأكثر.

التركيز على النفس

المصابون بفرط التفكير يركّزون على الأحداث الخارجة عنهم أو التي تمسّ حياة الآخرين، كما يرسمون سيناريوهات مضخّمة عن حقيقة الأمور. عندما يتفهّمون وضعهم أكثر ويعاينون الحال بشكل عملي، قد يفهمون ماذا يريدون وبما يرغبون. مثلاً، إذا كنتم تهاتفون شخصاً ولا يجيب عليكم، يمكنكم الانتظار قليلاً ومعاودة الاتصال به من جديد، بَدل التفكير بمئة سبب لعدم إجابته.

العيش في الحاضر

الأساس هو التركيز على الحاضر بدل اجترار أحداث سابقة أو آتية. فبدل الانجرار وراء الأفكار، ركّزوا على ما يحدث من حولكم في الوقت الراهن، وحاولوا التركيز على الأصوات المحيطة وراقبوا أدقّ التفاصيل وأصغر المواقف والأحداث. فإذا كنتم في السيارة وسط زحمة سير خانقة مثلاً، أنظروا إلى الإعلانات المنثورة على الطرقات وإلى المشهد من حولكم، وخلال سماعكم الراديو في السيارة يمكنكم التركيز على برنامج إذاعي تثقيفي بدل وضع الموسيقى والهيام بالأفكار لساعات.

الإكتشاف

إنّ الاجترار يصبح أوتوماتيكياً بالنسبة للدماغ، ولكسره لا شيء يساوي الاكتشاف. غيّروا الطريق للوصول إلى العمل مثلاً. كما أنّ قراءة الكتب تساعدكم على شغل بالكم بغير التفكير. علماً أنّ الخروج من الروتين يساعدكم على تشغيل مسارات عصبية جديدة.

ممارسة الرياضة

ليست الرياضة جيدة للجسد فقط، بل إنها أيضاً تريح البال إذ تساهم في تحررنا من الأفكار السلبية. تحفّز الرياضة إفراز هورمونات السعادة الأندورفين، وخلال بذل المجهود الجسدي نبتعد فعليّاً عن الأفكار السلبية ونركّز على جسدنا. الإجترار يصبح أوتوماتيكياً بالنسبة للدماغ، ولكسره لا شيء يساوي الاكتشاف.

الجمهورية

عن ucip_Admin