أختر اللغة
الرئيسية | أخبار الكنيسة | راعويّة متجدّدة للأنجلة الجديدة (2)
راعويّة متجدّدة للأنجلة الجديدة (2)
الانجيل المقدس

راعويّة متجدّدة للأنجلة الجديدة (2)

أنجلة الأنسنة
تتطلّب راعويّة الإنجيل كما رأينا آنفًا، الغوص من جديد في الإنجيل، المشعّ نورًا والحامل رجاءً والمجسّد محبّةً؛ وأن تجد، في زمن التحوّلات، “طرق متجدّدة” و”أساليب جذّابة”، والابتعاد عن “الأنماط المملّة”، والعودة إلى الينابيع، أي الإيمان العميق، وسيرة القدّيسين وممارسة الأسرار، لا سيّما سِرَّي المصالحة والافخارستيّا. زِد على ذلك، التجديد في الهيكليّة للكنيسة المؤسسة، وأداء المبشرين وتصرفاتهم وشهاداتهم. كلّ هذا، تحت غطاء توبة وارتداد رسوليّ، يُسهم في راعويّة متجدّدة ومستمرّة.

تتمحور راعويّة الإنجيل حول الإنسان وتنطلق من السيّد المسيح، لتعود نحو الإنسان، ولا سيّما المؤمن بالمخلّص. تدعو راعويّة الإنجيل، إلى فتح الأبواب على مصراعيها، لتستقبل إنسانيّة الإنسان، بكلّ تركيبتها وتفاعلاتها. فهي تتوق إلى أنجلة الأنسنة، أي جعل الإنسانيّة مُبشَّرَة بالإنجيل وتقديسها، التي خلقها الله على صورته ومثاله. فالإنسانيّة التي تشوّهت وانحرفت وتوسّخت وهمّشت، بسبب فقد الإنسان لإنسانيته، من خلال الشرّ وما ينتج عنه: العنف، والصراعات، والخوف وعدم المساواة وعدم تحقيق العدالة وإلى آخره.

يحيا الإنسان، كجسدٍ بيولوجيّ وعلائقيّ، وهذه ميزة يتحلّى بها الإنسان، عن سائر مخلوقات الله. فهو يحقّق معنى وجوده على الأرض، من خلال الآخر ومعه؛ وذلك عبر الفكر والعمل. يدلّنا هذا، على أنّ الإنسان يحمل إنسانيّة، عليها أن تتجدّد وتولد باستمرار من خلال كلمة الله والآخر المختلف والمكمّل بذات الوقت. ونتحدّث مليًّا عن حرّية الإنسان وكرامته. أُعيد للكرامة الإنسانيّة الاعتبار، عندما أخذ السيّد المسيح، طبيعة الإنسان. فالكرامة الإنسانيّة، ترتكز على كون الإنسان، خلق على صورة الله كمثاله. يشترك الإنسان في تحقيق إنسانيّته، ويدرك معناها ومعنى حياته، من خلال أقواله ومواقفه وأفعاله؛ لا سيّما علاقته مع الآخر التي تجسّد وتؤكّد كرامته (وهذا متبادل بين الأشخاص). “إنّه ما من شريعة إنسانيّة تستطيع أن تحافظ على كرامة شخصيّة الإنسان وحريّته، مثلما يحافظ عليها إنجيل المسيح ]…[ فهذا الإنجيل يبشّر بحرّية أبناء الله ويعلنها ويرفض كلّ استعباد، ]…[ ويحترم هذا الإنجيل، كرامة الضمير والاختيار الحرّ، ويعلّم باستمرار استثمار كلّ المؤهلات البشريّة، لخدمة الله ولخير الناس، مستودعًا كلّ فرد محبّة الآخرين”.[1] إنّ أنجلة الأنسنة لهو مشروع مستمرّ، وينبع من الكتاب المقدّس، أي من تعاليم يسوع المسيح، وشخصه. فالأنجلة تبثّ الحضور الإلهيّ، في حياة الإنسان. من هنا، يدرك الإنسان، بأنّ الحرّية والمحبّة والحياة، تنبع من الله، الذي بذل ذاته من أجل الإنسان. لذا، يدعوه الله إلى الحرّية والمحبّة والحياة؛ ممّا يؤكّد، بأنّ حياة الإنسان، تتحوّل على صورة الله كمثاله. كما إلى بذل الذات من أجل الآخرين.

يكتشف الإنسان، أنّ الله حاضر في وجوده وكيانه الإنسانيّ، وهو يرافقه في مسيرته الإيمانيّة والشخصيّة؛ ليقدّم له كلّ الإمكانات والوسائل من أجل بناء كينونة الإنسان فيه ولا سيّما مع الآخر. وهذا، يضمن له إنسانيّته ويُظهر له، أهميّة تلك الإنسانيّة وضرورتها في تاريخ الخلاص. من هنا، على الإنسان أن يُسهم مع الله، في تكملة تشييد الإنسانيّة أو أنسنة الإنسان، كما فعل السيّد المسيح، والمحافظة على جوهر الأنسنة وقيمتها، بمسؤوليّة وبطريقة عمليّة من خلال التصرّف.

يحتاج الإنسان اليوم، إلى أنسنة إنسانيّته، أي إلى أنجلة إنسانيّته. يُعيد التبشير الجديد بالإنجيل (الأنجلة الجديدة) إلى إنسانيّة الإنسان، صورة الله، التي زرعها في الإنسان، كما يذكّر بأنّ القيم الإنسانيّة التي تخلق مع الإنسان (بالفطرة) أو التي يكتسبها، عليه المحافظة عليها، بالرغم من كلّ العراقيل، والصعوبات، والاغراءات، والتفلّت والصراعات، وحبّ السيطرة والهيمنة، والتعدّي على حقوق الإنسان وكرامته، واستعمال وسائل الغشّ، وإلى آخره.

تدعو أنجلة الأنسنة، إلى سماع صوت المسيح في الإنجيل، وذلك بتحقيق مشروع الله وإرادته، بخلاص البشريّة. تُعزّز العلاقات الإنسانيّة ضمن الحياة المسيحيّة، الإيمان بالمسيح النعمة الأكيدة، للدخول في عمق إيمانه ومعتقده الراسخ، بأنّ عيش إنسانيّته بالملء هي وسيلة وخشبة خلاص. وهذا، عندما يتجاوب مع كلمة الله خالقه ومخلّصه. فموت المسيح وقيامته، أعاد إلى الإنسان بهاء الخلق والإبداع، محرّرًا إيّاه من قوى الشرّ، والأنانيّة والخطيئة، جاعلاً منه، واحة سلام وخلاص، بتحقيق وتقديس، قيمه الإنسانيّة وأنسنته من جديد.

ينتظر السيّد المسيح من رعيته، أن تعي أهميّة الإنسان وقيمته، الذي لبس جسد إنسانٍ وعاش في عائلة. من هنا، تطلق الكنيسة الصرخة تلو الأخرى، من أجل أن لا يفقد الإنسان هذا الكنز، وتلك النعمة، بابتعاده عن الإيمان القويم، أو بتفريطه بتركيبته الإنسانيّة، التي تعطيه القدرة، على العيش بسلام مع الله، والآخر والبيئة. يذكّر المسيح، الإنسان المؤمن، بعيش المحبّة والسلام والرحمة مع الآخر “فما دامت لنا الفرصة إذًا، فلنصنع الخير إلى جميع الناس ولا سيّما إلى إخوتنا في الإيمان” (غلا 6: 10). ويشدّد الربّ يسوع، على عمل الروح القدس في حياة الإنسان المؤمن والمُصغي إلى إلهامات الروح، التي تقود إلى المحافظة على القيم الإنسانيّة، لأنّ الروح وحده قادر أن يحقّق للإنسان دعوته الحقيقيّة “… ولكن إذا كان الروح يقودكم، فلستم في حكم الشريعة ]…[ أمّا ثمر الروح فهو المحبّة والفرح والسلام والصبر واللطف وكرم الأخلاق والإيمان والوداعة والعفاف. وهذه الأشياء ما من شريعة تتعرّض لها ]…[ فإذا كنّا نحيا حياة الروح، ونسير أيضًا سيرة الروح: لا نُعجب بأنفسنا ولا يتحدَّ ولا يحسُد بعضنا بعضًا” (غلا 5:22-25).

فليتذكّر الإنسان عظمة كيانه، ووجوده على هذه الأرض، من أجل الولوج إلى الفردوس، المعدّ له من قِبَل الله. وليتذكّر أيضًا، حقيقة الربّ يسوع، ومشروعه للإنسان. ويتذكّر أيضًا وأيضًا، بأنّ عليه التجدّد والتطوّر، لكي يكون إتّحاده بالله واشتراكه في الحياة الإلهيّة تكمن حقًّا في تحقيق مهمته ورسالته كإنسان، لأنّه بإمكانه أن يكتشف في المسيح حقيقته الكاملة كإنسان، ويمكنه أن يحقّقها بوضوح وبقوّة.

الأنجلة الجديدة ووقعها
يبقى الإنجيل مصدر حياة المسيحيّ وخلاصه، بالرغم مَن ابتعد “بعض الشيء”، عن عقيدته وإيمانه وحياته الروحيّة. ترى الكنيسة المؤسسة (السلطة)، بأنّ أزمة إيمان تغزو المعمّدين، بسبب الأزمات الروحيّة (التي تطاول قسم من الإكليروس) والأخلاقيّة والإجتماعيّة والتحدّيات التي تضغط على حياة العائلة والشباب، وعدم ممارسة الأسرار، ورفض التقيّد بالقيم المسيحيّة، والإنسانيّة والأخلاقيّة. إنّ تلك المعطيات وأجواء ممارسة الحياة المسيحيّة، جعلت من أساقفة الكاثوليك في العالم، يجتمعون حول سينودوس بعنوان “البشارة الجديدة لنقل الإيمان المسيحيّ” (الأنجلة الجديدة) العام 2013 برئاسة البابا بنديكتوس السادس عشر.

تتطلّب الأنجلة الجديدة راعويّة متجدّدة لتتكامل وتحقّق نجاحًا في نقل الإيمان وتثبيته. يقول البابا بولس السادس عن التبشير بالإنجيل “الكنيسة موجودة بهدف التبشير، أي لتعظ وتعلّم، وتكون لهبة النعمة ولمصالحة الخطأة مع الله، وإدامة تضحية المسيح في الإفخارستيّا، وهو تذكار لموته وقيامته الإلهيّة”.[2] يكتشف المؤمن المسيحيّ دينامكيّة الإنجيل في حياته، عندما يتواصل مع الكنيسة وراعويّتها ومن خلال الآخر المؤمن. “وتشكّل الأنجلة الآن مهمّة الكنيسة الأكثر إلحاحًا، وعليها أن تبحث في لغة جديدة لتلبّي حاجات المؤمنين ]…[ الأنجلة تبشير “جديد” بل متجدّد، هدفه الحقيقيّ هو تعليم المعنى الحقيقيّ للإيمان الذي يغيّر مجرى الحياة ويجذب قلوب المؤمنين وغير المؤمنين”.[3]

تعمل الكنيسة جاهدة اليوم، من خلال الراعويّة، على إعلان الإيمان والتبشير به ونقله للآخرين، وذلك من خلال التعليم والشهادة الحيّة. فالراعويّة المتجدّدة تدعم توجّهات الكنيسة وتُسهم في تحقيق أهداف الكنيسة، ألا وهي التربية على الإيمان وعيشه وممارسته، من خلال ممارسة الأسرار والصلاة وتطبيق وصايا الله والكنيسة، وتطبيق أعمال الإيمان وأفعاله، ممارسةً الرحمة والمحبّة مع الآخرين؛ وذلك بروح الإنجيل الذي يقدّم القيم الإنسانيّة والأخلاقيّة.

الراعويّة المتجدّدة للبشارة الجديدة بالإنجيل، تسعى دومًا إلى تحقيق خلق جماعة مسيحيّة، أي جماعة صلاة تؤمن وتشهد وتخدم بالمحبّة. “… وممّا لا شكّ فيه أنّ الأنجلة الجديدة تتطلّب إعادة تنشئة أو تعليمًا مسيحيًّا يستلزم قراءة الإنجيل ثانيةً والمشاركة في حياة الكنيسة من خلال الليتورجيّا والصلاة والأسرار”[4]. نعم الراعويّة أي العمل الراعويّ يتطلّب الإصغاء إلى كلمة الله.

تحاول الراعويّة المتجدّدة، أن تربّي على الإيمان، مع الأهل والجماعات والحركات الرسوليّة، وذلك في هدف تعزيز الإيمان ونضجه وترسيخه. فالتربية على الإيمان هي عمليّة تثقيفيّة وتوعية أيضًا. من هنا، الأنجلة الجديدة، تأخذ منحى، أكثر انفتاحًا وإدراكًا للحياة الإنسانيّة وتشعّباتها. فالمسيح هو المُنقذ الوحيد للإنسان، وهو يجهد أن يلتقي جميع الناس الآب، الصورة الإلهيّة لسعادة الإنسان المطلقة. ويقدّم الله للإنسان الخلاص، أمّا السيّد المسيح فيطلب من كلّ مسيحيّ مؤمن وممارس لإيمانه أن يعلن البشارة “اذهبوا وأعلنوا البشرى للأمم وتلمذوهم”. نعم، الكنيسة، من خلال التبشير الجديد بالإنجيل تعلن وتعرض الإنجيل وتبشّر به، ولكن من دون أن تفرضه.

إنّ وقع التبشير الجديد بالإنجيل في عصر التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعيّ، لهو مصدر فرح وطمأنينة وواحة رجاء وسلام. يعطي التبشير الجديد بالإنجيل دفعًا نحو الحريّة المسؤولة والإرادة القويّة، من أجل اختيار النصيب الأفضل ألا وهو طريق القداسة الذي يقود نحو الخلاص. “الأنجلة هي نقل الإيمان والحياة المسيحيّة من خلال نقل الكتب المقدّسة وعيشها وتطبيقها وخصوصًا الكتاب المقدّس ]…[ في معرفة يسوع المسيح واللقاء به ]…[ الهدف منها التربية على الإيمان ]…[ من خلال الالتزام بكلام السيّد المسيح والانتماء إلى جسده السريّ. الأنجلة الجديدة (التبشير الجديد بالإنجيل) هي التذكير بإعادة قراءة الإنجيل بالعمق وذلك بنهج جديد وأساليب متطوّرة، تعبّر عن حماس رسوليّ، والطرائق الجديدة التي يجب أن تستعملها الكنيسة في فهم وعيش الإنجيل ونشره، ممّا يُسهم في تدعيم مواجهة التغييرات الجذريّة في العالم والتحدّيات العديدة والكبيرة”.[5]

تدعو الأنجلة الجديدة إلى اكتشاف فرح الإيمان المسيحيّ، والتعمّق بالحقيقة واستعادة المحبّة واستعمال جميع الوسائل الصحيحة، من أجل حياة كريمة “تقوم الأنجلة الجديدة على العمل الروحيّ العميق والمستمرّ ببثّ الإيمان والتقوى والمحبّة والغفران ضمن الجماعات المسيحيّة من أجل السير نحو القداسة”.[6] يمكن للتبشير بالإنجيل الجديد أيضًا أن يطال الأمكنة والساحات التي يتواجد فيها الأشخاص، الذين ابتعدوا عن المخلّص وإنجيله.

أخيرًا الأنجلة الجديدة هي عيش الكلمة، قبل التبشير بها. كما العودة إلى الذات والتوبة. ففهم الكلمة وعيشها، يتطلّب التواصل والإصغاء المتواصل المستمرّ، مع كلمة الله. هكذا تنمو المحبّة “بهذا يعرفون أنّكم تلاميذي إذا كنتم تحبّون بعضكم بعضًا” (يو 3: 35). يطلب اليوم أكثر من أي وقت مضى، تكثيف الجهود من قبل الرعاة والعلمانيين، في زرع الرجاء والإيمان والمحبّة، في ضمائر المؤمنين وقلوبهم، وإعطاء المثل الصالح، من خلال التواضع والتجدّد، والحضور الفعّال في شتّى الميادين، كما العمل على تدعيم الروابط الاجتماعية، وحثّهم على عدم التقوقع بل على التكامل والتضامن. فليحافظ الإنسان على المبادئ والقيم وليسهر على تطبيقها، وليكن الجميع مسؤؤل تجاه الجميع.
ألأب د. نجيب بعقليني
زينيت

عن الاتحاد الكاثوليكي العالمي للصحافة - لبنان

عضو في الإتحاد الكاثوليكي العالمي للصحافة UCIP الذي تأسس عام 1927 بهدف جمع كلمة الاعلاميين لخدمة السلام والحقيقة . يضم الإتحاد الكاثوليكي العالمي للصحافة - لبنان UCIP – LIBAN مجموعة من الإعلاميين الناشطين في مختلف الوسائل الإعلامية ومن الباحثين والأساتذة . تأسس عام 1997 بمبادرة من اللجنة الأسقفية لوسائل الإعلام استمرارا للمشاركة في التغطية الإعلامية لزيارة السعيد الذكر البابا القديس يوحنا بولس الثاني الى لبنان في أيار مايو من العام نفسه. "أوسيب لبنان" يعمل رسميا تحت اشراف مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان بموجب وثيقة تحمل الرقم 606 على 2000. وبموجب علم وخبر من الدولة اللبنانية رقم 122/ أد، تاريخ 12/4/2006. شعاره :" تعرفون الحق والحق يحرركم " (يوحنا 8:38 ).