أختر اللغة
الرئيسية | إعلام و ثقافة | ربع قرن على غياب المطران يوسف الخوري

ربع قرن على غياب المطران يوسف الخوري

هل أعتب على قلبك الكبير لأنّه اتخذ قرار التوقّف عن الخفقان منذ ربع قرن من الزمن، أو أعتب على الزمن الذي لم يتنبّه إلى قامتك الفارعة يوم كنت تخطر بخيلاء في أرض البشر، والذي لم ينتبه أنّ عليه واجب تخليد ذكراك بعد الرحيل؟ ومن أجل تخطّي العتب، حاولت منذ خمس سنوات تسطير سيرتك في كتابٍ تعمّد باسم “الحبر المتعدّد الأبعاد”. واليوم في ذكرى يوبيلك الفضّي من حياة الأبد، أحببت أن أقدّم لك مع قرابين قدّاسي حروفًا تعبّر عن وفائي لذكراك، وتذكّر أهل وطني بهامةٍ غرّاء من هامات الزمن المجيد.
سيّدي المطران يوسف! يوم استلّيت ريشَتي من غمدِ الزمن وغرزتها في مدادِ ذاكرةِ الحبِّ لأكتب بها سيرتك، أدركت أنّ عليّ أن ألملم “روحَكَ المتوزّعةَ في أرواحِ كلِّ الناس كالطيبِ في الزهر” على ما قال صديقك الفيلسوف الأب يوحنا قمير. ومعرفتي بهذه الحقيقة، دفعتني لأعملَ على لملمةِ طيبِك وفِكرك من أرواحِ البعضِ منهم… وكم كانَ شيّقًا وممتعًا ذلكَ التّنقيبُ الشّغوفُ عنك، في خزّانِ ذاكرةِ الشّهودِ عليك، في أفئدَتِهم النّابضةِ حُبًّا لك، في الكتبِ الحاويةِ شيئًا من مجدِ سيرتِك، في الأمكنةِ التي عايشتَها وعايشَتك فصارت هي الأخرى شاهدةً على حياتِك النّورانيّة! للأمكنةِ ذاكرةٌ أيضًا، بلغةِ الصّمتِ البليغِ أخبرَتني عنك!
سيّدي المطران يوسف الخوري، المسيحيُّ لم يكن وحدهُ من حدَّثني عنك، المسلمُ والدّرزيُّ أيضًا لهجَ لسانُهُما بذِكرِك الطّيّب، وراحا يمسكانِ بيدي ويسيرانِ بي فوقَ جفونِ الماضي المتلألئةِ بنبراسِكَ المتوهّج! نسجتُ من كلّ ذلك تاريخًا يشبهك! تاريخ رجلٍ قرأَ الحياةَ رسالةً، وطمعَ بالملكوتِ فنالَه، تاريخًا يحتاجُه العُطاشى إلى النّور فيهتدوا!
يصعبُ الكلامُ عنك يا أوقيانوس الفكر الكنسيّ والوطنيٍّ العريق بكلام مسبوكٍ من أبجديّةٍ. ففي حضرةِ الأرواحِ المجرّدةِ من المادةّ، المعانقةِ فضاءَ الرّبّ، يغدو الوصفُ صعبَ المنال، إذ تتقولبُ اللّغةُ في قالبٍ ضيّق لا يسعُ شخصيّةً بحجمِ قضيّةٍ! لذا، سأكتفي بما قلَّ ودلَّ من أحرفِ أبجديّةٍ أحببتها، فكنت رسولًا لها في جلسات المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني.
سيّدي المطران يوسف الخوري، ها قد مرّ ربع قرن بالتمام على انتقالك من أرض الشقاء إلى ديار الأبديّة. أعلمُ أنّ روحَكَ العلويّةَ ترافِقُنا اليومَ من خلالِ حُجُبِ البهاء، نشعُرُ بعينيكَ المكلّلتينِ بالحاجبَينِ المهيبَين ترنوان إلينا بحُبِّكَ المعهودِ، وتبتسمان لنا جميعًا ابتساماتٍ من فيضِ نورٍ يُضارعُ ومضاتِ فجرِ بكاسينَ الأبيضَ!
سيّدي المطران الخالد لقد كنت عنوان الكِبر، فجمعت في شخصيّتك الفذّة صفات الوطنيّ الغيور، والمجمعيّ الجامع، والمسكونيّ الرائد، وداعية “العيش معًا” في الوطن الرسالة. لقد كنت العلامة الفارقة، ففَرَقْت من صف الاكليريكيين والكهنة والأساقفة العاديين، لتكون إكليريكيا متميزًا وكاهنًا طليعيًا بين أترابك، وأصغر أسقف عرفته الطائفة المارونية في زمانك ( 36 سنة). راق لك النشاط والتميّز فعملت على تكوين شخصية ثقافية وعلميّة فذّة. رفِقتَ بأبناء رعايا أبرشية صور حين شغلت منصب النائب العام فيها منذ سيامتك الكهنوتيّة، فكنت العضد للناس والسامري الصالح والراعي الحنون. فرّقت عارفيك بين معجب بشخصيتك الفذّة ومؤيّد لمواقفك الجريئة، وبين مناهض لك وعاملٍ على إزاحتك، مع الاحتفاظ بنسبة الإعجاب نفسها بك. ولعلّ ما جمعك برجال السياسة وفرّقك مع بعض رجال الدين هو خير دليل على ذلك. أرّقت الذين كانوا يضمرون الشر لوطنك، لأنك كنت تسعى لرأب الصدع بين السياسيين، ولأنك كنت نبراسًا للحق لا يهادن ولا يستسلم؛ إلا إذا أحققت الحق وأبطلت الباطل. كلّفك هذا الموقف النفي القسري من أبرشيّتك، ومحاولة اغتيالك وخطفك. رافَقتَ مع رفيق صباك الخوري يواكيم مبارك، مسيرة مجمعية أردتماها ثورة في الكنيسة المارونية ، كما رافَقتَ دخول الكنائس الشرقية الكاثوليكية في مسيرة وحدة الكنائس. أرِقْتَ لحال كنيستك منذ كنت في الاكليريكية، وناضلت من أجل التغيير، فأقصيت عن مراكز السلطة والقرار. كما أرّقَتْكَ حال وطنك وأهله فسعيت في الداخل والخارج لتستتبّ فيه الأوضاع. أرفقت على رصيدك اللاهوتي، والفكري، والكنسي، رصيدًا وطنيًا جعلك مرجعًا للمسلمين قبل المسيحيين فواكبت حركة الإمام موسى الصدر، وأسّست معه ومع نخبة من رجال الدين مسلمين ومسيحيّين حركة “نصرة الجنوب”.
ولأنك استثنائيّ في كلّ شيء تكلّم عنك بابوان قديّسان، فقال القديس البابا يوحنّا الثالث والعشرون عنك يوم كنت في عزّ العطاء: “يمتاز المطران يوسف الخوري بالخصال الحميدة والأخلاق الجميلة وما له من العلم والخبرة بالأمور والبشر”. ويوم انتقلت إلى ديار الخلود قال عنك القديس البابا يوحنا بولس الثاني:
“Monseigneur Khoury un Pasteur plein de zèle et un frère toujours ouvert à l’œcuménisme et au dialogue sincère et désintéressé “.
سيّدي المطران يوسف الخوري! في هذا الزمن الذي بدأ فيه لبنان “الفينيق” ينتفض على رماد التبعيّة والخذلان، نرى أنفسنا في أمسّ الحاجة إلى فكرك وقلبك وعقلك وحلمك وكبرك فتشمل مسيرة النهوض الكنيسة والوطن على السواء. دُعائي لك في هذه الذكرى أن تسبغ من سمائك على أبناء وطن الأرز قبسًا من حكمة وحِلم ونور. والسلام!

الاب مخائيل قنبر
النهار

عن الاتحاد الكاثوليكي العالمي للصحافة - لبنان

عضو في الإتحاد الكاثوليكي العالمي للصحافة UCIP الذي تأسس عام 1927 بهدف جمع كلمة الاعلاميين لخدمة السلام والحقيقة . يضم الإتحاد الكاثوليكي العالمي للصحافة - لبنان UCIP – LIBAN مجموعة من الإعلاميين الناشطين في مختلف الوسائل الإعلامية ومن الباحثين والأساتذة . تأسس عام 1997 بمبادرة من اللجنة الأسقفية لوسائل الإعلام استمرارا للمشاركة في التغطية الإعلامية لزيارة السعيد الذكر البابا القديس يوحنا بولس الثاني الى لبنان في أيار مايو من العام نفسه. "أوسيب لبنان" يعمل رسميا تحت اشراف مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان بموجب وثيقة تحمل الرقم 606 على 2000. وبموجب علم وخبر من الدولة اللبنانية رقم 122/ أد، تاريخ 12/4/2006. شعاره :" تعرفون الحق والحق يحرركم " (يوحنا 8:38 ).