أختر اللغة
الرئيسية | إعلام و ثقافة | لماذا أُدخل الحصان لعبة الشطرنج بقلم د. ايلي مخول
لماذا أُدخل الحصان لعبة الشطرنج  بقلم د. ايلي مخول
لماذا أُدخل الحصان لعبة الشطرنج

لماذا أُدخل الحصان لعبة الشطرنج بقلم د. ايلي مخول

سيُعجب كل من يتعاطى الشطرنج لأوّل مرة على الأخص ببيدق الحصان. لا بل يمكن القول ان من أمضى حياته في تلك اللعبة يرى في الحصان أغرب البيادق وأصعبها تحديدًا للغرض. حتى أن هناك نوعًا من الشطرنج يحق فيه للاّعبين الإستعانة ب”أحصنة سحرية”. أي أن بإمكانهم إخراج حصان “من الجيب: بشكل فوري وغير متوقّع واعتماده . وهذا له صلة بتحرك بيدق الحصان الظريف. قد يتساءل أحدهم عن سبب ابتكار ذلك البيدق الذي يأتي بتلك القفزات المثيرة وغير المنطقية في ظاهرها.

بالطبع لم يعد ممكنًا إعادة رسم المسار الذي عرفه ابتكار لعبة الشطرنج والذي يرجّح أنه في الهند في القرن السادس الميلادي. صحيح أنه توجد أساطير تتحدث عن نواة للعبة قد تكون معقولة الى حدّ ما، إلاّ أنه ليس ثمة أدلة دامغة على ذلك. لذا نلجأ الى البحوث المقارنة والتفكير المنطقي.

العالم الألماني في تاريخ الشطرنج يوهانِّس كوتس  Johannes Kohtz حاول عام 1917، في دراسة لم يتيسّر نشرها مع الأسف، إيجاد رابط بين نشوء الشطرنج وتطوّر المربعات السحرية في الهند القديمة.

يعرض المربع السحري أرقامًا ينبغي أن يبقى مجموعها الأفقي والعمودي والقطري متساويًا دائما. كان تركيبها منتشرا على نطاق واسع في عالم الثقافة الهندي والعربي ومرتبطًا بمفاهيم عددية دينية أو بالأحرى “سحرية”. فعلى سبيل المثال جرى حفر مثل ذلك المربّع السحري على بوابة حصن غواليور الهندي القديم.

ويعطي جميع أرقامه أفقيا وعموديا وقطريا دائما 34.

15    10    3      6

4      5      16    9

14    11    2      7

1      8      13    12

كان كوتس يتصور بأنه سيتوصل الى التعرف، في المربّع السحري، على أهم بيادق الشطرنج. هنا لا بد من القول ان الحصان والملك وحدهما كانا يتحركان وقتذاك على النمط الحالي: الفيل كان يتنقل قطريًّا والقلعة ربما بخط مستقيم. أمّا الملكة فلم يكن لها وجود. ومن يتابع الأرقام يتبين له أن الحصان يتحرك من 1 الى 2، من 3 الى 4، من 5 الى 6، من 7 الى 8، من 9 الى 10، من 11 الى 12، من 13 الى 14 ومن 15 الى 16؛ الفيل من 8 الى 9؛ القلعة من 2 الى 3، من 6 الى 7، من 10 الى 11 ومن 14 الى 15؛ أمّا الملك فمن 4 الى 5 ومن 12 الى 13. حتى أن من يرى في هذا الإستنتاج مجازفة سيتضح له أن بيدق الحصان العجيب من المربّع السحري كان مألوفا بالنسبة الى الهنود القدماء. كما أن من يراعي حركة البيادق التي تحدثنا عنها للتوّ يلاحظ سببا آخر لاضطرار مبتكر أو مبتكري الشطرنج حكمًا اعتماد بيدق له مشية الحصان. فإذا وضعنا البيادق المذكورة على الخانة 1 يحصل ما يلي:

5      4      3      4      3

4      2      2      2      4

3      2      1      2      3

4      2      2      2      4

5      4      3      4      5

لو لم يجرِ إدخال الحصان في الشطرنج، لأدّى ذلك الى الإبقاء على ثغرات كبيرة في الدفاع الذاتي أو في الهجوم على خانات لا سبيل الى بلوغها في ظروف كثيرة. على أن أهمية الحصان في الشطرنج قد أثبتته أقدم مسائل الشطرنج العربية التي كانت فيها القلعة تتحرك كما اليوم. والحال فقد وصلتنا في مخطوطة اسبانية ترقى الى القرن الثالث عشر (مخطوطة ألفونسو) مسألة كان يلجأ اليها في المراهنات حسب عادات ذلك الزمن:

أبيض: Kh6، Th7، Se6، Sf5

أسود : Ke8، Tg3، Tg4، Sc8، Sd7

كيف يستطيع لاعب البيادق البيض صدّ هجوم القلعتين السوداوين الجبّارتين اللتين تهددان بسحق h3 والإطاحة بالملك بنقلتين؟ فقط بفضل حصانيه وحصاني خصمه!

1: Se7+Te7

2:Sd6  مات

إن تلك الألعاب المركّبة التي عادت في العصر الوسيط بالنقود جراء المراهنات كانت ممكنة فقط بحضور بيدق استطاع القفز بشكل مستقيم وقطري على السواء. وأن ما يبدو للوهلة الأولى عجيبا وغير منطقي يتجلّى كنتيجة جدّ منطقية لتنقّل البيادق الأخرى المستقيم وكشرط لا بد منه للنشاط الحيوي الذي تتمتع به لعبة الشطرنج منذ أكثر من ألف عام.

د.ايلي مخول

عن ucip_Admin