أختر اللغة
الرئيسية | أخبار الكنيسة | مسيحيو الموصل وممارسات “داعش”

مسيحيو الموصل وممارسات “داعش”

يشير الدكتور طه جابر العلواني في كتابه المميز “لا إكراه في الدين: اشكالية الردة والمرتدين من صدر الاسلام الى اليوم” وفي معرض دلالته على حرية الاعتقاد في الدين الاسلامي الى التالي: “نص فقهاؤنا على أن الزوج المسلم ليس له ان يعرض لزوجته غير المسلمة بالاسلام، أو ينتقص من ديانتها، أو يقارن بين الاسلام وبين ديانتها، ليبين فضل الاسلام على ديانتها: لأن ذلك – كله – يعد من قبيل الضغط عليها والاكراه لها على تغيير الدين”. ولا يملك المرء إلا أن يقارن هذا الفقه المتسامح الجريء مع ما يجري حاليا مع مسيحيي الموصل، حيث شهدت المدينة “حركة نزوح كبيرة للعائلات المسيحية على خلفية التهديد الذي أطلقه تنظيم الدولة الاسلامية (داعش) ضد المسيحيين”. وللمرة الاولى في تاريخ العراق فرغت الموصل تقريبا من المسيحيين ونزحت العائلات المسيحية في اتجاه دهوك واربيل في اقليم كردستان العراق (“النهار” – 19 تموز 2014).
ليست هذه هي حادثة التهجير الوحيدة – للأسف – في التاريخ العراقي الحديث على أسس مذهبية وطائفية. فلقد شهدت المناطق الجنوبية في العراق – باعتراف رئيس الوزراء نوري المالكي – في ايلول – سبتمبر عام 2013 “عمليات قتل وتهجير على أسس طائفية من محافظات في الجنوب لمئات العائلات السنية”، خصوصا في البصرة وذي قار بعد تلقيها تهديدات بالقتل من ميليشيات مذهبية متنفذة وصفتها احدى الصحف (الزمان) بأنها أكبر موجة تهجير طائفي تكتسح العراق، مما أدى الى اغلاق المساجد السنية وخلو الزبير من سكانها الاصليين ونزوح أقدم عشائر البصرة والناصرية نحو الشمال (صحف الشرق الاوسط والوطن والزمان – ايلول 2013).
هذه الامور المؤسفة تقوم بها جماعات تدعي الانتماء الى الاسلام ومذاهبه تتجاهل ان الدعوة الاسلامية قامت في الاساس على حرية الاعتقاد وحرية الدعوة. ومما عابه الرسول على قومه الذين حاربوه أنهم حجزوه عن حرية التحرك فقال لهم “خلّوا بيني وبين الناس”. فهو لم يبعث لاجبارهم على اعتناق دينه، بل انما عليه البلاغ والناس بعد ذلك أحرار فمن شاء آمن به وبرسالته ومن شاء أعرض عنها. ولقد أعرض عن رسالته بعض اقاربه الذين أحبهم، وكان يتمنى هدايتهم فنزلت الآيات: “إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين”.
ولا ريب في ان ما يحدث على أرض العراق من تجاوزات خطيرة تسيء بشكل أساسي وجوهري الى المبادئ التي قامت على أساسها رسالة الاسلام السمحة: “قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدى فانما يهتدي لنفسه ومن ضل فانما يضل عليها وما أنا عليكم بوكيل”.
ويمكن أن يحتج البعض على أن “داعش” لم تفرض على المسيحيين تغيير عقيدتهم، بل انها خيرتهم بدفع الجزية عوضا عن ذلك. وهذا القول مردود لأن احكام الجزية (وهي تاريخيا بدل حماية) لها أصولها في كتب الفقه التي لا تنطبق على واقع الحال في العراق. فالجزية كما ينقل د. هواربلو عن الكاتب (آدم متز) استاذ اللغات الشرقية بجامعة (بازل) بسويسرا: “… أشبه بضريبة للدفاع الوطني، فكان لا يدفعها الا الرجل القادر على حمل السلاح”. وأشار بعض الباحثين في موضوع الجزية في ظل الدولة الحديثة التي ينتسب اليها مواطنون تختلف عقائدهم ويشتركون في واجب الدفاع عن الوطن، الى ان المساهمة في هذا الواجب “تسقط الجزية بعد وجوبها، أو تمنع وجوبها أصلا (د. عبد الكريم زيدان). وذكر الكاتب شواهد تاريخية عديدة على هذه المسألة، منها ما كتبه عتبة بن فرقد – عامل عمر بن الخطاب أمير المؤمنين – لأهل أذربيجان، وسراقة بن عمرو عامل عمر بن الخطاب كذلك – الى أهل أرمينية والارمن، وسويد بن مقرن قائد جيش المسلمين في بلاد فارس، حيث تمت الاشارة بوضوح الى انتفاء هذه الضريبة عندما يشترك غير المسلمين مع المسلمين في الدفاع عن الوطن.
في عموم الاحوال، ان ما يجري في العراق وفي الموصل تحديدا لا علاقة له بالفهم الصحيح للاسلام او تطبيق شريعته، بل يندرج في اطار تصارع سياسي دولي واقليمي. ولو صحت النيات لتمت استشارة أصحاب القامة من العلماء الذين أبدى الكثير منهم اعتراضه على هذه الدولة الناشئة وممارساتها. فأبو بكر البغدادي ليس ابا بكر الصديق. وممارسات “داعش” مع مسيحيي الموصل لا يمكن ان تقارن بحال مع ما فعله الفاروق عمر بن الخطاب مع غير المسلمين في أرمينية وأذربيجان وايلياء (القدس). إن الدين الذي يجيز للرجل ان يقترن بامرأة من غير دينه ويفرض عليه ان يحترمها ويحترم حرية اعتقادها مع اعطاء وافر المحبة الزوجية لها، لا يمكن ان يوصي أتباعه بقهر أهلها وظلم أتباع ملّتها واخراجهم من ديارهم بغير حق. إن ما جرى ويجري لأهل العراق، مسلميهم ومسيحييهم، يستدعي وقوف رجال السياسة والدين والرأي ولا سيما المسلمين منهم – في مواقف تاريخية ترفع الظلم عن أهل العراق، وخصوصا الظلم الذي وقع في السنوات الاخيرة ضد شرائح محددة في النسيج العراقي الوطني. أثبتت السنوات الاخيرة ان الحكومات التي تعاقبت بعد الغزو الاميركي للعراق لم تستطع انشاء دولة عصرية تساوي بين أبنائها وترفع الظلم عنهم وتنهض بهم. وعند وقوع الظلم والاستبعاد والاستعباد والتهجير، تصبح الارض خصبة – للأسف – لـ”داعش” ولالف “داعش”.

يوسف صيداني
أستاذ جامعي

النهار

عن الاتحاد الكاثوليكي العالمي للصحافة - لبنان

عضو في الإتحاد الكاثوليكي العالمي للصحافة UCIP الذي تأسس عام 1927 بهدف جمع كلمة الاعلاميين لخدمة السلام والحقيقة . يضم الإتحاد الكاثوليكي العالمي للصحافة - لبنان UCIP – LIBAN مجموعة من الإعلاميين الناشطين في مختلف الوسائل الإعلامية ومن الباحثين والأساتذة . تأسس عام 1997 بمبادرة من اللجنة الأسقفية لوسائل الإعلام استمرارا للمشاركة في التغطية الإعلامية لزيارة السعيد الذكر البابا القديس يوحنا بولس الثاني الى لبنان في أيار مايو من العام نفسه. "أوسيب لبنان" يعمل رسميا تحت اشراف مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان بموجب وثيقة تحمل الرقم 606 على 2000. وبموجب علم وخبر من الدولة اللبنانية رقم 122/ أد، تاريخ 12/4/2006. شعاره :" تعرفون الحق والحق يحرركم " (يوحنا 8:38 ).