أختر اللغة
الرئيسية | من قره قوش إلى الجنوب رحلة الالم والقهر المسيحي القليعة تستضيف عائلات مهجّرة وتقدّم نموذجاً يُحتذى
من قره قوش إلى الجنوب رحلة الالم والقهر المسيحي القليعة تستضيف عائلات مهجّرة وتقدّم نموذجاً يُحتذى
أولاد عراقيون يلهون في القليعة.

من قره قوش إلى الجنوب رحلة الالم والقهر المسيحي القليعة تستضيف عائلات مهجّرة وتقدّم نموذجاً يُحتذى

11 أيلول 2014 تاريخ لن تنساه مارينا ولا عائلتها. هي الطفلة العراقية الأولى التي تولد في لبنان بعدما هرب أهلها من تهديدات “داعش” التي احتلت أرضهم وبيوتهم وأرزاقهم. أبصرت مارينا النور ليل الخميس الماضي في مستشفى مرجعيون لتعيد بريق الأمل الى أهلها الذين استبشروا بقدومها خيرا وأملا بمستقبل كان قاتما وبائسا!

من قره قوش في سهل نينوى الى عقرا واربيل في اقليم كردستان، الى بيروت ومنها الى القليعة… رحلة شاقة ومؤلمة عاشتها عشرات العائلات العراقية المسيحية التي حوصرت بين “داعش” من جهة والقوات الكردية من جهة أخرى، فنجت بأرواحها تاركة خلفها تاريخ آلاف من السنين وهوية وانتماء وحسرة على وطن لم يعد هو وطنهم. لم يحملوا معهم سوى دموع القهر والظلم والعتب على دول لم تحرّك ساكنا فوجدوا أنفسهم ضحية “مؤامرة ضد المسيحيين في سهل نينوى”.

مسيرة الجلجلة
أكثر من مئة ألف عراقي مسيحي أخلوا قره قوش والقرى المجاورة باتّجاه عقرا في اقليم كردستان، ومنها توجّه معظمهم برّا الى تركيا وبعضهم نحو الأردن فيما الباقي(نحو الفي عائلة) جوّا الى بيروت، ولم يبق سوى عدد قليل ممّن لا يحملون جوازات سفر ينتظر في اربيل، ومن بقي في قره قوش أصبح في قبضة “داعش”. في بيروت، تتولّى جهتان استقبال العائلات العراقية اللاجئة، بطريركية السريان الكاثوليك ومطرانية الكلدان، ويتابع شؤونها الخوري فراس دردر منتدبا من البطريركية. ومنذ أيام وصلت الى بلدة القليعة عشر عائلات بمسعى من رعية البلدة، وهي مبادرة اولى من نوعها، اذ تولّى معاون كاهن الرعية الخوري بيار الراعي التنسيق مع دردر لاستضافة بعض العائلات وتوفير ما أمكن لهم.

عن هذه الخطوة شرح الراعي لـ”النهار” كيف بدأ مسار استقبال 10 عائلات عراقية حتى الآن بانتظار عدد مماثل، وهو ما يمكن ان تستوعبه البلدة والرعية، وقال: “منذ نحو شهر أطلقنا حملة جمع تبرعات من أهل البلدة لإرسالها الى بطريركية السريان الكاثوليك ومطرانية الكلدان، وتعرّفنا حينها الى الكاهن العراقي دردر الذي يتابع شؤون العائلات الوافدة الى لبنان هربا من العراق. وقرّرنا كرعية مار جرجس دعوة عدد من العائلات لاستضافتها في البلدة تخفيفا لمعاناتها واستغلال البعض لها مثل السماسرة ومالكي المنازل. نعلم ان المعيشة في بيروت باهظة ومعاناة هذا الشعب لن تنتهي في وقت قصير، لذا أردنا المساهمة، قدر امكاناتنا في مساعدتهم”. وعن تقبّل هذه العائلات للانتقال الى الجنوب قال: “في البداية تردّدوا لبعد المسافة وعدم معرفتهم بالمنطقة، ولكن تشجّعت ثلاث عائلات ووجدت ترحيبا واستقبالا لافتا من اهالي البلدة وصلت اصداؤها الى اقربائهم وأصدقائهم في بيروت، فازداد العدد يوما بعد يوم الى ان اصبحوا عشر عائلات، ونحن على استعداد لاستضافة عدد مماثل ايضا”. ولفت الراعي الى انّه تم اختيار منزل ليكون مضافة اوّلية لكل عائلة تصل الى البلدة على ان يتم نقلها الى منزل آخر مشيرا الى ان الرعية أنشات خلية طوارئ وصندوق مساعدات يعتمد على تبرّعات الاهالي سواء بالمال ام المساعدات العينية وهو بنفسه يفاوض اصحاب المنازل لتقديم المنزل دون مقابل أو بالحد الأدنى يكون الايجار مقبولا لا يتعدّى الـ150 دولاراً. وذكر الراعي ان الرعية تتابع المسائل الطبية ايضا فهناك امرأتان حبليان احداهما ولدت أخيراً، كما انّها تسعى لتسجيل الأطفال في المدارس مع بداية العام الدراسي الحالي، وكلّه ضمن الامكانات المتوافرة ومساعدة الخيّرين و”الموْنة” على آخرين”.

ربّما هي المبادرة الاولى التي تقوم بها رعية لمساعدة العائلات العراقية اللاجئة هربا من حرب قد لا تكون لها نهاية قريبة، والراعي ومعه رعية البلدة أرادوا من خلالها تخفيف جزء من معاناة هذه العائلات واستغلالها، علّها تكون خطوة مشجّعة لرعايا أخرى لاستضافة مزيد من العائلات. والجدير ذكره أنّه فور وصول هذه العائلات الى بيروت باشرت اجراءات التسجيل في المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، كما ان اللجنة الدولية للصليب الأحمر قدّمت للعائلات الوافدة الى القليعة بعض المساعدات العينية.

حملوا معهم الخوف
بابتسامة ترحيبية تخفي حكايات من الخوف والألم والقلق يستقبل العراقيون زوّارهم مردّدين ان حفاوة الترحيب التي وجدوها في البلدة نفضت عنهم ثقل الغربة ومرارتها. لافت أيضا كيف أن أبناءهم يبادرون بالسلام بابتسامة بريئة وعيون كلّها أمل بتغيير آخر ما سجّلته من صور ومشاهد قاسية ومخيفة.
الخامس من آب الماضي كان يوما مفصليا بالنسبة الى أبناء مدينة قره قوش، يوم عيد التجلّي، شاركوا في القداس وطمأنهم الكاهن انّه بحسب المعطيات والاتصالات، الأوضاع هادئة وقوات البشمركة جاهزة للتصدّي لأي عدوان او اعتداء من تنظيم “داعش” الذي كان على بعد نحو 5 كيلومترات منهم. ولكن مع سقوط اول قذيفة راح ضحيتها ثلاثة أشخاص بينهم طفلان، شعر أبناء المدينة بأن الخطر قريب فقرّروا الرحيل بالآلاف، واذ بهم يفاجأون بصد الأكراد الطرق امامهم، فمنهم من اختار طرقا وعرة للهرب ومنهم من انتظر وقتا طويلا حتى انسحب الأكراد من المنطقة فور دخول “داعش” اليها.

يتكلمّون الآرامية (اللغة المحكية للسريانية) التي هي لغتهم الأصلية ويحافظون عليها من جيل الى جيل، سواء بالسر على عهد صدّام حسين أو بالعلن كما كان قبل وصول “داعش”. في احد المنازل التي سكنتها قبل ايام عائلة عراقية، عائلة أخرى دهمها وقت ولادة الوالدة، فسكنت موقّتا ريثما تجد لها الرعية منزلا آخر. رشا التي وصلت الى لبنان قبل نحو اسبوعين تحمل في أحشائها طفلة وفي بالها الكثير من الهموم والأسئلة عن مصير عائلتها والمولودة الجديدة التي لا شكّ في انّها عاشت خوف والدتها قبيل وصولها الى برّ الأمان. تبدي رشا فرحتها بمولودتها الجديدة، لأنّها “فأل خير رغم كل الظروف التي مررنا بها”، على حد قولها. وتشكر رشا الراعي واهالي البلدة الذين وفّروا لها كل حاجات المولودة الجديدة وجو الأمان والاحتضان ودفء العائلة، كذلك المفوّضية السامية لشؤون اللاجئين ومنظّمة INTERSOS اللذين ساعداها في تكاليف الولادة. ويروي زوجها نذير، وهو يملك مقهى ليليا في قره قوش: “اليوم اختلف الوضع ولم يعد العراق آمنا ولا بلد التعايش وموطن المسيحيين، فكان قرار الرحيل”. يؤكّد أنّه لن يعود الى العراق رغم انّه يجهل مصيره ومستقبله، هو الذي تعرّض للضرب سابقا وأصيب بشلل في رجله لأشهر طويلة. ويشكر كلّ من ساهم في ايجاد مأوى آمن لعائلته وخصوصا الكاهنين دردر والراعي.

وفي منزل آخر تقطنه ثلاث عائلات، يلهو الأطفال في حديقته ويسارعون لإلقاء التحية. عاش بعضهم ظروفا مؤلمة وأُصيب بانهيار نفسي. س.ش مهندس من قره قوش كان ينعم مع عائلته بعيش كريم، زوجته مدرّسة وأبناؤه متفوّقون بالدراسة، تراه اليوم لاجئا مع عائلته يبحث عن الأمان وينتظر أي فرصة هجرة الى الخارج. اما نجله الذي يكتب ويلحّن بالسريانية فيفخر بإبراز علاماته المميّزة التي حفظها على جهاز الكومبيوتر. في حين تروي والدته كيف تفرّق ابناء الوطن الواحد، فمن كانوا اصدقاء بالنسبة اليهم تحوّلوا بين ليلة وضحاها الى “داعش” يطلبون منهم دفع الجزية او الأسلمة او الرحيل! اما عامر ق. ولديه ثلاث بنات فيروي بتأثر أيضا رحلة الهروب، وتدخّلت العناية الالهية في إنقاذهم بسبب استخدامهم سيارات من نوع pick up وهي نفسها التي تستخدمها العناصر المسلّحة. ويروي عامر أنه كان يملك بساتين ومواشي، وعليه اكثر من 75 ألف دولار ديوناً. ورغم كّل ذلك، تراه يأمل في العودة… فهل تتحقّق آماله؟

النهار

مرجعيون – رونيت ضاهر

 

عن الاتحاد الكاثوليكي العالمي للصحافة - لبنان

عضو في الإتحاد الكاثوليكي العالمي للصحافة UCIP الذي تأسس عام 1927 بهدف جمع كلمة الاعلاميين لخدمة السلام والحقيقة . يضم الإتحاد الكاثوليكي العالمي للصحافة - لبنان UCIP – LIBAN مجموعة من الإعلاميين الناشطين في مختلف الوسائل الإعلامية ومن الباحثين والأساتذة . تأسس عام 1997 بمبادرة من اللجنة الأسقفية لوسائل الإعلام استمرارا للمشاركة في التغطية الإعلامية لزيارة السعيد الذكر البابا القديس يوحنا بولس الثاني الى لبنان في أيار مايو من العام نفسه. "أوسيب لبنان" يعمل رسميا تحت اشراف مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان بموجب وثيقة تحمل الرقم 606 على 2000. وبموجب علم وخبر من الدولة اللبنانية رقم 122/ أد، تاريخ 12/4/2006. شعاره :" تعرفون الحق والحق يحرركم " (يوحنا 8:38 ).