أختر اللغة
الرئيسية | أخبار الكنيسة | هل مسألة الهيكل هي أحد أسباب موت يسوع ؟!
هل مسألة الهيكل هي أحد أسباب موت يسوع ؟!
مدينة أورشليم

هل مسألة الهيكل هي أحد أسباب موت يسوع ؟!

الجواب : نعم …

” لأَنَّ كَثِيرِينَ شَهِدُوا عَلَيْهِ زُورًا، وَلَمْ تَتَّفِقْ شَهَادَاتُهُمْ. ثُمَّ قَامَ قَوْمٌ وَشَهِدُوا عَلَيْهِ زُورًا قَائِلِينَ:

«نَحْنُ سَمِعْنَاهُ يَقُولُ: إِنِّي أَنْقُضُ هذَا الْهَيْكَلَ الْمَصْنُوعَ بِالأَيَادِي، وَفِي ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ أَبْنِي آخَرَ غَيْرَ مَصْنُوعٍ بِأَيَادٍ». (مرقس 14 : 56 – 58 )

نظرًا لطول الموضوع ، سأقوم بوضعه على أجزاء .

وُجه ليسوع الناصريّ اتهامان هما:

الاتهام الأول: “نحن سمعناه يقول إني أنقض هذا الهيكل المصنوع بالأيادي وفي ثلاثة أيام أبني آخر غير مصنوع بأيادٍ”. هذا الاتهام في حقيقته يحمل شهادة زور ، فإنه لم يقل ” إني انقض هذا الهيكل”، بل قال “انقضوا”، كما لم يقل: ” هذا الهيكل مصنوع بالأيادي” بل ” هذا الهيكل” ، إذ كان يتحدّث عن هيكل جسده . لقد فهموا الكلمات بغير معناها الحقيقي ، لكنّ هذه الشهادة على أي الأحوال بالرغم من بطلانها ، أكّدت حديثه عن موته وقيامته في اليوم الثالث ، فصارت ركيزة حيَّة للكرازة بعد قيامته .

الاتهام الثاني: حين أجاب يسوع على رئيس الكهنة الذي سأله : ” أأنت المسيح ابن المبارك ؟” ، ” قال يسوع : أنا هو ، وسوف تبصرون ابن الإنسان جالسًا عن يمين القوة ، وآتيًا في سحاب ” ، لم يحتمل رئيس الكهنة الإجابة فمزّق ثيابه ، وقال: “ما حاجتنا بعد إلى شهود؟ قد سمعتم بالتجاديف” .

كان الاتهام الأول معتمدًا على شهادة زور ، أما الاتهام الثاني فاعتمد على ” جهل ” مطبق ، وعدم إدراك لكلمات يسوع نفسه . تعثر المجمع بالشهادة الأولى الخاصّة بهدم هيكل جسده وقيامته ، ولم يحتمل أن يسمع عن مجد ابن الله في السماء ومجيئه الأخير ، وحسبوا هذا تجديفًا يستوجب الموت . لعلّهم بالاتهام الأوّل حسبوه محطّمًا للناموس ، إذ يريد نقض الهيكل ، مقلّلًا من شأنه ، بقوله أنه مصنوع بالأيادي ، وبالاتهام الثاني حسبوه مجدفًا .

في الحقيقة نرى ، من خلال مضاعفات الإستجواب أمام السنهدريم ، أنّ شهودَ زور ٍ لفّقوا تهم ليسوع الناصريّ ! . من بين التهمة أعلاه (مسألة هدم وبناء هيكل ) ، هناك تهمة ” السحر ” ، ” التجديف ” ، ” الناموس ” . هنا سنرى فقط مسألة ” الهيكل ” . نرى أنّ ثمّة عدّة روايات للقول الذي يذيع دمار الهيكل ( مر 14 : 58 ، 15 : 29 ، والآيات الموازية تباعـًا في متى ، يو 2 : 19 ، أع 6 : 14 .

هناكَ موازاة ، على صعيد الموضوع ، يقرأها المرء في (مر 13 : 2 ) ، في وسط الإعلان عن دمار الهيكل ، المعبّر عنه من خلال قضيّة كتابيّة ويهوديّة معروفة جدّا ، وهي أنه لن يترك ” حجر على حجر ” . وهناك تقاليد أخرى تعلن أفعالا في المستقبل لها صلة بالهيكل : لو 13 : 34 – 35 ) .

لنستشهد بالمؤرّخ فيلافيوس يوسيفوس لكي نرى الأهميّة الفائقة للهيكل بالنسبة إلى الضمير اليهوديّ : ” أيُستبدل الدستور بجملته ؟ هل أجمل منه وأكثر منه عدلا دستور ينسب إلى الله حكم الدولة برمّتها ، ويكلّف الكهنة أن يسوسوا باسم الجميع أشدّ القضايا أهميّة ، ويوكل إلى رئيس الكهنة بدوره الإشراف على سائر الكهنة ؟ وهؤلاء الرجال .. قد فوّض إليهم أن يقيموا أصلا العبادة الإلهيّة . والحال أنّ هذه العبادة كانت السهر الشديد أيضا على الناموس وسائر المهامّ . أجل ، تسلّم الكهنة رسالتهم بأن يسهروا على المواطنين جميعـا ، وأن يقضوا في الاعتراضات ، ويعاقبوا المحكوم عليهم ” .

ويعلّق البروفيسور جاك شلوسّر ويقول : إنّ التصرّف الذي جرى في الهيكل ضدّ بائعي الحيوانات والصيارفة (مر 11 : 15 – 17 ) ، لم يكن محاولة ” تطهير ” ، أي مسعىً لإصلاح العبادة من خلال إزالة الفساد ؛ ذلك أنّ الاستشهاد الصريح بـ أش 56 : 7 ، الذي يمكنه أن يسير بالقراءة حسب هذا المعنى ، قلّما يمكن الركون إليه كعنصر أوّليّ ؛ ذلك أنّ عمل العبادة والصيارفة كانت تتطلبه الممارسة المعتادة ، ويرعاه الكتاب والتقليد ، في العبادة اليهوديّة . إنه من غير المعهود ، في العالم القديم ، أن يتحوّل هيكل إلى مصلّى وحسب . وبالعكس ، لا يمكن الإعتقاد بأنّ يسوع وزمرته شنّوا هجومـــًا على الهيكل وهم يضربون بأيديهم ضرب إرهابيّين !

لا يحتلّ الهيكل ، بصورة عامّة ، موقعا ذا أهميّة كبرى في ما تبقّى من كرازة يسوع . ليس هو ، في ظاهر الحال ، المرجع المعتمد عندما يُراد الإلتقاء بالله ، وبَسطُ الخلاص ومغفرة الذنوب ، فالموقع قدّ حلّ محلّه ملكوت الله ، الذي هو يسوع ذاته . فمقولة ” ها هنا أعظم من الهيكل ” (متى 12 : 6 ) ، جديرةٌ بالذكر في ما نقوله .

بحسب ما جاء في أعمال الرسل أيضا ، كانت التهمة نفسها قد وُجّهت إلى اسطفانوس ، الذي علّق ثانية على نبوءة يسوع عن الهيكل ، ممّا تسبّب برجمه ، إذ عدّ ذلك تجديفــًا . وهنا ، في دعوى يسوع ، تقدّم شهود ليعيدوا ما قاله يسوع . لكنّ إفاداتهم لم تكن متطابقة ، فكان من الصعب توضيح ما قاله يسوع حقيقة . إنّ إسقاطَ هذا الإتّهام في نهاية الأمر دليل على سعيهم إقامة دعوة صحيحة قانونيّا . ويقول القدّيس جيروم : إنّ شهادة الزور تحرّف معنى الحقيقة .

كلّنا يعلمُ ، أنّ يسوع الناصريّ قصدَ بقوله ” أنقضوا ” ، ” هيكلَ جسده ” ، والبناء في ثلاثة أيّام تعني ” قيامته في اليوم الثالث ” . والجميع متّفق على ذلك .

الآن سندخُل في التفاصيل الضروريّة لمعرفة عمق هذا الكلام . نسأل أوّلا : هل هذا الكلام تاريخيّ ؟

هناك نقّاد اعتبروا من غير المعقول أن يتلفّظ يسوع بكلام بهذا المستوى من العنف . ما معنى أنه يهدم هيكل أورشليم ؟ من المعروف أنّ يسوع الناصريّ ليس رجلا خارقا (سوبر مان ) ، أو ساحـــرًا يضحكُ على العالم ! حاشا له . لا نتّفق مع النقّاد ، لأن كلام الإنجيل له ما يثبته التقليد (تقليد العهد الجديد ) ، وإن بصيغ تختلف قليلا ، ليس في نصوص مرقس ومتى المثبتة هنا وحسب ، وإنما في مقاطع أخرى من الإنجيل : عند أقدام الصليب ، نرى عابري السبيل يشتمون يسوع ، وهم يهزّون رؤوسهم قائلين : ها ها ! أنت يا مَن تنقض الهيكل وتبنيه في ثلاثة ايّام ، خلّص نفسك بنفسك وانزل عن الصليب ” (مر 15 : 29 ، ومتى 27 : 40 ) . ويسوع في بدء رسالته ، بحسب يوحنّا ، حين طرد باعة الهيكل ، تدخّل اليهود وقالوا له : ” أيّ آية ترينا حتى تعمل هذه الأعمال ؟ ” أجابهم يسوع : ” انقضوا هذا الهيكل ، أقمه في ثلاثة أيّام ” (يو 2 : 19 ، راجع أيضا : أعمال الرسل 6 : 14 ) . هذه الشهادات المختلفة تؤكد لنا تاريخيّة كلام يسوع .

ليس المقصود هنا الهدم فقط ، بل البناء أيضا . فهناك ، بالإضافة إلى السلبيّة ، نرى الإيجابيّة . ويسوع ، في خطابه الأواخريّ (مر 13 ، متى 24 ، لو 21 ) ، ينبئ بأن أورشليم ستُسلب والهيكل سيُدمّر . وفي يوم الشعاني سبق يسوع وبكى على المدينة وأنبأ بخرابها . إلاّ أنه يتحدث أيضا عن ” البناء ” ، ويعني بذلك أنه ، بعد العقاب الذي أراده الله ، سيتمّ تجديد ، لا بل سيكون هيكل ” لم تصنعه الأيدي ” ، أي عبادة جديدة ، وفجر دينيّ جديد . (بعيد عن السطحيّات والعبادات الشكليّة والمرائية ) .

يقول الأب بيير بنوا الدومنيكيّ ، أنه كانت هناك أوساطٌ يهوديّة متطوّرة ذات روحانيّة عميقة تحلم بمستقبل دينيّ أفضل ، وتنتظر اليوم الذي فيه يختفي الهيكل ” بخشونته ” ، ليدع المكان ، في الزمن الأخير ، لهيكل جديد ، سماويّ وروحيّ . ولقد كان يهود قمران بنوع خاصّ – وقد عُثر على مخطوطاتهم بالقرب من البحر الميّت – ينتظرون هذا التجدّد ، ويعتبرون جماعتهم بمثابة هيكل . ذلك أنّ مؤمني قمران ثاروا ضدّ كهنوت أورشليم ، إذ شكّكتهم رؤية الروح الدينيّة البائسة لدى الأسر الكبرى التي كانت تشرف على العبادة ، مع أنها لم تكن من نسل هارون الطاهر . لقد هرب هؤلاء الكهنة العصاميّون والأتقياء والمتعصّبون في آن واحد ، إلى البريّة ، تاركين الهيكل الحقيقيّ ، ” قداس الأقداس ” ، الهيكل الروحيّ الحيّ ، ولم تكن غريبة ، في مناخ ذلك العصر ، فكرة هيكل جديد يأخذ مكان الهيكل الحاليّ .

هكذا ، كان بإمكان يسوع أن يُطلق ، هو ذاته ، فكرة مماثلة بشأن خدمته ورسالته . ولقد كانت ، في المسيحيّة الناشئة ، تيّارات ، يمثّلها اسطفانس والهللينيون والقديس بولس ، ادركت بأن النظام القديم محكومٌ عليه بالإنقراض ، وأن لا بد للهيكل أن يزول .

معنى كلام يسوع ..

الأكثر أهميّة الآن هو : ” في ثلاثة أيّام ” ! . لفهم عمق فكرة يسوع ، يجب ربطها بأقوال ٍ أخرى من الكتاب المقدّس ، بدءًا بأقوال يسوع ذاته التي توحي بأنه آت ٍ بتجدّد . فحين شاءت السامريّة أن تحرجه بإقامة التضادّ بين العبادة على جبل جرزيم ، والعبادة في أورشليم ؛ أجاب يسوع : ” تأتي ساعة فيها تعبدوم الآب ، لا في هذا الجبل ولا في أورشليم .. ولكن تأتي ساعة – وقد حضرت الآن – فيها العبّاد الحقيقيون يعبدون بالروح والحقّ (يوحنا 14 ) . يعلن يسوع ، عن عبادة حقيقيّة عميقة لن تكون رهن المتغيّرات الأرضيّة . ويمكن ربط فكرة ” جسد يسوع بصفته الهيكل الجديد ” ، بمواضيع من العهد القديم . بحسب حزقيال ، كان الله ذاته قد أصبحَ ، إبان الجلاء ، بمثابة المقدس للمؤمنين (حز 11 : 16 ) . ويُرجّع سفر الرؤيا صدى حزقيال حين يؤكّد بأنّ الله والحَمَل سيكونان هيكل أورشليم السماويّة (رؤيا 21 : 22 ) . ونرى أيضا في يوئيل وزكريّا ، بشّروا بأنّ الهيكل الأواخريّ سيفجّر ينبوع ماء حيّ – ويا لها من ثورة لأرض فلسطين شبه الصحراويّة ! فيصبح نهرًا ، إذ بعد ألف ذراع ٍ تبلغ بهم المياه إلى الركبتين ، وبعد ألف ذراع أخرى تبلغ إلى الصدر . ومن هذا الماء العجائبيّ والطافح تتفجّر الحياة ( حز 47 : 1 – 12 ، يوئيل 4 : 18 ، زك 13 : 1 ، و 14 : 8 ) .

يستذكر يسوع هذه النبوءات ، كما يذكر الصخرة التي منها أخرج موسى الماء في البريّة ، معلنــــــًا بأنّ من جوفه ستجري أنهارُ ماء الحياة . وتلك أيضا طريقة اختارها ليماثل بين شخصه والمقدس ، بينه وبين الهيكل الجديد .

” فإن تُنسَب إلى يسوع نوايا عنيفة ، ضد المقدس ، فتلك هي شهادة الزور .. يرى يسوع أنّ خطايا البشر ستؤدّي إلى خراب الهيكل ، وهو بدوره ، لم يشأ الخراب ، لكنّه سيتدخّل من أجل إعادة البناء “.

بقلم عدي توما / زينيت

عن الاتحاد الكاثوليكي العالمي للصحافة - لبنان

عضو في الإتحاد الكاثوليكي العالمي للصحافة UCIP الذي تأسس عام 1927 بهدف جمع كلمة الاعلاميين لخدمة السلام والحقيقة . يضم الإتحاد الكاثوليكي العالمي للصحافة - لبنان UCIP – LIBAN مجموعة من الإعلاميين الناشطين في مختلف الوسائل الإعلامية ومن الباحثين والأساتذة . تأسس عام 1997 بمبادرة من اللجنة الأسقفية لوسائل الإعلام استمرارا للمشاركة في التغطية الإعلامية لزيارة السعيد الذكر البابا القديس يوحنا بولس الثاني الى لبنان في أيار مايو من العام نفسه. "أوسيب لبنان" يعمل رسميا تحت اشراف مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان بموجب وثيقة تحمل الرقم 606 على 2000. وبموجب علم وخبر من الدولة اللبنانية رقم 122/ أد، تاريخ 12/4/2006. شعاره :" تعرفون الحق والحق يحرركم " (يوحنا 8:38 ).