شريط الأحداث
أختر اللغة
الرئيسية | إعلام و ثقافة | خمسون عاماً على رحيل “سيزيف الحرية” ألبير كامو (1913 ـ 1960)

خمسون عاماً على رحيل “سيزيف الحرية” ألبير كامو (1913 ـ 1960)

كوليت مرشليان- المستقبل-خمسون سنة على رحيل الكاتب والفيلسوف الفرنسي الكبير ألبير كامو، مناسبة أو ذكرى مؤثرة للفرنسيين تنطوي على صفحات من حياة المفكر والأديب الذي غاب عن 47 عاماً في حادث سير مأسوي في الرابع من كانون الثاني عام 1960 وهو يخرج بسيارته من قرية فيلبلوفان في منطقة إيّون الريفية:

وشكّل فقدان كامو بهذا الأسلوب المفاجئ صدمة للمثقفين ولمواطنيه الذين رأوا فيه الروائي والمفكر والفيلسوف الذي خرج من هالة الوجودية في ظل جان بول سارتر وجماعته ليقدّم مجموعة أعمال روائية تضج بشخصيات تعيش أقصى درجات العبث والعدمية: "الغريب"، "أسطورة سيزيف"، "الطاعون"… وغيرها من المؤلفات التي وضعت إسم كامو بين كبار مفكري وروائيي جيله.
وقبيل بلوغ رحيله الخمسين، نشطت باريس بمجموعة حركات تكريمية كان أبرزها أن يطرح الرئيس الفرنسي فكرة نقل رفات كامو الى "البانتيون" أي الى مقبرة العظماء في البلاد. ودار حول الموضوع نقاش طويل لم يحسم فيه بعد أي قرار. كما يتم تصوير فيلم عنه بعنوان "الرجل الأول" للمخرج الإيطالي جيّاني آميليّو ويبدأ التصوير في نيسان المقبل في الجزائر حيث ولد الكاتب وعاش مرحلة طويلة من حياته القصيرة. كما أصدرت إبنته كاترين كامو كتاباً عن والدها عن "دار لافون" وعنوانه "ألبير كامو: التضامن، الوحدة" وضعت فيه كل حبها له وذكرياتها معه… ومع كل هذا، فعل تذكّر كامو لا يصيب الفرنسيين فقط بل أيضاً الجزائر، وطنه الثاني الذي احتضنه، حيث ولد في السابع من تشرين الثاني العام 1913 تحديداً في منطقة موندوفي المعروفة بمدينة درعان اليوم. وكانت والدته من أصول إسبانية ونصف صمّاء، والده توفي خلال الحرب العالمية الأولى فعاشت العائلة في ظروف من الفقر والعوز. وأثناء دراسته الجامعية في الجزائر التقط كامو مرض السل ما أثر على نشاطه وجعله يكتفي بمهن صغيرة تؤمن له حياته، لكن حياة كامو الفكرية والثقافية والنضالية كانت حافلة فيما بعد.
فترات
وفعل تذكّر كامو في هذه المناسبة يعني العودة الى فترات مهمة ليس في حياته وحسب بل في تاريخ موطنَيه فرنسا والجزائر، لأنه من الكتّاب الذين تأثروا أشد التأثير بالأوضاع السياسية في البلدين وكانت له المواقف الجريئة إن في مقالاته السياسية وإن في نضالاته الثورية والتحررية. والبلدان يتذكران اليوم الأديب كامو بالحفاوة نفسها عبر ندوات ومؤتمرات، ذاك الشاب المناضل الذي انطلق في مسيرته الاستثنائية من أحياء الجزائر الشعبية والفقيرة الى الفوز بجائزة نوبل للآداب وهو في الرابعة والأربعين فقط عن نتاجه الأدبي الذي ضمّ الرواية والنصوص المسرحية التي غالباً ما طالبت العالم بمزيد من العدالة والحرية، وثمة حماسة شعبية تحيط بشخصية كامو وبنتاجه الأدبي على الرغم من مرور خمسين عاماً على رحيله ولا زالت أعماله رائجة تسجّل أرقاماً قياسية في المبيعات للكتب الأدبية، أبرزها نحو سبعة ملايين نسخة مبيعة من روايته "الغريب" أول رواية له نشرت في العام 1942 وضربت الرقم القياسي في سلسلة كتاب الجيب على الإطلاق في فرنسا، وترجمت "الغريب" الى نحو أربعين لغة في العالم. كذلك شهدت جميع مؤلفاته إقبالاً لا مثيل له في كل بلدان العالم ودخل جزء منها في برامج أدبية تربوية مدرسية وجامعية: "الطاعون"، "السقطة"، "الموت السعيد"، "الرجل الأول" في الرواية الى جانب "الغريب"، كما نالت مجموعاته القصصية اهتمام النقّاد والقرّاء والأكاديميين على حد سواء، وأبرزها: "المنفى والمملكة"، "المرأة الزانية"، "الضيف"، "جوناس أو الفنان في العمل" الى جانب الأبحاث: "الأعراس"، "أسطورة سيزيف"، "الثائر"… أما أعماله المسرحية فكان لها وقعها الكبير لما تضمّنت من خلفيات فلسفية وفكرية منها: "كاليغولا"، "سوء الفهم"، "حالة الحصار" و"العادلون"…
الفلسفة
أما الفلسفة في أعمال كامو فقد كانت مدار نقاش واسع ومتضارب الآراء طوال حياته وما بعد مماته: وفي حين ربط النقّاد والأكاديميون أعماله بإيديولوجيات كثيرة أبرزها الوجودية الى جانب جان بول سارتر والعبثية والعدمية، فإنه قد صرّح في إحدى مقابلاته الشهيرة عام 1945: "أنا لست وجودياً. فقد كنتُ وسارتر دائميّ الإندهاش لرؤية إسمينا موصولين…".
ولكن على الرغم من رفضه لمجمل التيارات الفلسفية، إنتهى كامو الى حد ما الى مفهوم "العبثية" حيث أنه تحدث غالباً عن رغبته في "إيجاد المعنى والوضوح في عالم وظرف لا يقدمان المعنى أو الوضوح"… وقد شرح فكرته هذه في كتابه "أسطورة سيزيف" كذلك في "الطاعون" و"الغريب". كما أنه على الرغم من تنكّره لتأثره بالوجودية "السارترية"، لا يزال البعض يدرجون أعماله في خانة الوجودية. مع أن كامو حرص على ربط الوجودية بأفكار عملية شخصية وبنّاءة حول ما يجري في العالم. ومنذ الخمسينات، بدأت جهوده الفكرية والكتابية والنضالية تتكرّس لحماية حقوق الإنسان ومساندته ودعم حقوقه وحريته. وتفرّد في بعض الأفكار التي طبعت أجمل أعماله مثل تصويره لفكرة "اللامبالاة" التي جسدها في كتابه "الغريب" وفكرة التغلّب على الغضب في المجتمعات في كتابه "الإنسان الثائر". ومن جملة ما عارضه من أفكار وقرارات، كتب كامو لدعم فكرة إلغاء الإعدام في أي مكان من العالم، كما مثلت الحرب الجزائرية معضلة أخلاقية له، وهو تعاطف مع الجزائر منذ بداياته، أي منذ بدأ الكتابة في "منشورات فوضوية" مثل منشور "ليبيرتير" ومنشور "الاتحاد الوطني للعمال" وهو اتحاد فوضوي نقابي، وقد ساند كامو الفوضويين أيضاً عندما أعربوا عن تأييدهم للانتفاضة عام 1953 في ألمانيا الشرقية، كما ساند فيما بعد، عام 1956 انتفاضة العمال في بولندا، وبعدها الثورة الهنغارية. وانضم كامو خلال الحرب العالمية الثانية الى خلية المقاومة الفرنسية التي كانت تنشر صحيفة "النضال" فكتب كامو فيها تحت إسم مستعار "بوغارد"، ثم سرعان ما أصبح رئيس تحرير هذه الصحيفة في العام 1943، وكان يراسل الصحيفة ويزودها بآخر أخبار القتال والمعارك عندما حرر الحلفاء باريس.
من هنا، وبعد تتبع حياة ألبير كامو النضالية، لا يمكن الفصل بين كامو الكاتب وكامو المناضل والثائر. فالسياسة كانت المحرّك الأساسي لكتاباته ومؤلفاته وهو لم يكتب يوماً إلاّ متأثراً بالأحداث السياسية والاحوال الاجتماعية والاقتصادية والحياتية لمواطنيه.
وعندما اختارته لجنة نوبل ومنحته جائزته الادبية الرفيعة المستوى وكان ذلك في العام 1957، ركزت اللجنة في كلمتها المختصرة عنه بأنها "اختارته لانتاجه الأدبي المهم الذي سلط الضوء بجديته الواضحة على مشاكل الضمير الانساني في عصرنا هذا..".
ومع ان كامو أكبَّ على العبثية وتفسيرها عبر اعمال متنوعة غير انه غاص أخيراً في سنواته الاخيرة في مفاهيم أخرى تحاكي الانسانية من منظار أكثر تفاؤلية.
واذا العبثية تدعي فشل الانسان في الوصول الى معنى في حياته وذلك على اعتبار ان الحياة ليس لها صورة واضحة وكان ذلك في اعماله الاولى بشكل خاص، غير انه صار يرفض أخيراً الاشارة اليه بوصفه فيلسوفاً عبثياً، وصار يظهر اهتماماً متفائلاً بالعبثية ويظهر ذلك جلياً في اعماله الاخيرة خاصة تلك التي نشرتها ابنتاه كاترين وجين بعد وفاته بسنوات وكان اولها "الموت السعيد".
عام 1970 مع شخصية رئيسية هي "مورسول" ودار جدل بين النقاد على ان "الموت السعيد" مربوطة بشكل وثيق بالرواية الشهيرة له "الغريب" وقد تكون تكملة لها الا ان لا شيء اثبت ذلك. ثم نشرت ابنتاه ايضاً رواية "الرجل الاول" غير المكتملة وهي سيرة ذاتية حول طفولته في الجزائر ونشرت عام 1995 وهي غير مكتملة.
الانسان المتمرد
وفي كل اعماله خلص كامو الى ما يمكن تلخيصه بفكرة انه على الانسان ان يجمع ما بين العقل والجنون، وما بين التوتر والاستقرار وايضاً الفوضى والرتابة على ان يكون سلاحه في كل ذلك التمرد.. ثم التمرد في وجه الظلم والقسوة والعبودية.. من هذا المنطلق، يبدو كتابه "الانسان المتمرد" نقطة الاساس في مجمل اعماله الروائية والقصصية والمسرحية الفكرية واذا كامو رفض ربط اسمه بالوجودية التي تؤدي بشكل او بآخر الى العدمية فانه فعلاً برهن ذلك عبر شخصانية الروائية التي تبرهن ان الانسان غير مسؤول عن امه وابيه واسمه ودينه، فكلها امور حصلت قبل ولادته اما المصير فهو مسؤول عنه وعليه ان يقرره ويختاره وهذه هي "الحرية المسؤولة" في حين ان سارتر انطلق من مبدأ ان "الحرية مرعبة" وفي حين اتجه كامو نحو التضامن الانساني اخيراً، فسارتر اعتبر "ان الآخر هو الجحيم".
ألبير كامو اليوم
وبعد خمسين عاماً على رحيله، يبقى ألبير كامو رمزاً من رموز الادب الفرنسي، وعلى الرغم من رحيله المبكر (46 عاماً) فقد ترك مؤلفات متكاملة في فلسفتها وجوهرها، وترك أيضاً في نفوس قرائه صورة مؤثرة عن الفتى الذي تربى في شوارع الجزائر الشعبية وعانى من اليتم والفقر والعوز وتوصل في سنوات الى عرش جائزة نوبل المكرس، فكرسته فرنسا ايضاَ على طريقتها عبر تدريس مؤلفاته في المدارس والجامعات، واذا صورة كامو قد تجلت ايضاًُ في نضالاته السياسية ان في الجزائر في مساندته للحركات التحررية وان في فرنسا ابان الحرب العالمية الثانية، غير انه عرف ايضاًَ انتقاد الكثيرين له خاصة بعد مواقفه المسالمة بعد نيله جائزة نوبل، وفي ستوكهولم، وبعد حفل تسليمه جائزة نوبل سأله احد الطلاب الجزائريين وكان يعمل مراسلاً لإحدى الصحف المحلية في بلاده حول موقفه من الضربات الارهابية الهادفة الى دعم النضال نحو الاستقلال في الجوائر، اجابه كامو بجملة غيرت نظرة العديدين له، أجاب وهو مشغول البال على والدته العجوز المحتجزة هناك: "اذا كان علي ان اختار ما بين تلك العدالة او تلك الطريق وأمي، فاني اختار أمي!".
وهو حقاً كان يعي ما يقوله ويعرف النقمة عليه بسبب ذاك الموقف، لكنه تقصّد ان يشرح الفوارق الدقيقة ما بين النضال الموجّه نحو أهداف وطنية انسانية على حد سواء والارهاب.
مات كامو في حادث مشؤوم وهو الذي كان يخشى الموت بشكل فظيع، وهو الذي كتب مطولات حول جدلية الحياة والموت ووصف بدقة موت أبطاله لكنه لم يجرؤ يوماً الحديث عن موته الشخصي.
مات كامو بسرعة ربما لم تعطه فرصة التفكير بعبثية اللحظة التي خطفته، ونقلته الى الشق الآخر من الوجود، او الى ذاك الموت الذي لم يصوره لا في عبثية جريمة "الغريب". ولا في جحيم المرض الذي كان يخافه وصوره في "الطاعون"، ولا في "السقطة"، ولا في "الموت السعيد": رحل كامو مسجلاً ميتة خاطفة أشدّ عبثية من كل الميتات التي سجلها في مؤلفاته، وبقي شاباً نضراً في صوره الاخيرة كما في رواياته ومسرحياته التي لا تشيخ.

عن الاتحاد الكاثوليكي العالمي للصحافة - لبنان

عضو في الإتحاد الكاثوليكي العالمي للصحافة UCIP الذي تأسس عام 1927 بهدف جمع كلمة الاعلاميين لخدمة السلام والحقيقة . يضم الإتحاد الكاثوليكي العالمي للصحافة - لبنان UCIP – LIBAN مجموعة من الإعلاميين الناشطين في مختلف الوسائل الإعلامية ومن الباحثين والأساتذة . تأسس عام 1997 بمبادرة من اللجنة الأسقفية لوسائل الإعلام استمرارا للمشاركة في التغطية الإعلامية لزيارة السعيد الذكر البابا القديس يوحنا بولس الثاني الى لبنان في أيار مايو من العام نفسه. "أوسيب لبنان" يعمل رسميا تحت اشراف مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان بموجب وثيقة تحمل الرقم 606 على 2000. وبموجب علم وخبر من الدولة اللبنانية رقم 122/ أد، تاريخ 12/4/2006. شعاره :" تعرفون الحق والحق يحرركم " (يوحنا 8:38 ).