أختر اللغة
الرئيسية | أخبار الكنيسة | يوبيل خمسون سنة على مرور المجمع الفاتيكاني الثاني (1962-1965)

يوبيل خمسون سنة على مرور المجمع الفاتيكاني الثاني (1962-1965)

بمناسبة مرور نصف قرن (50 سنة) على افتتاح المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني، يسرّ موقع أبونا – إعلام من أجل الإنسان، أن يبدأ بنشر سلسلة مقالات حول أهمية هذا المجمع – الثورة الكنسية

 السلمية التي انطلقت عام 1962، ولا تراجع إلى اليوم عن الأخذ بإرشادات وتوجيهات المجمع لما خلقه في وسط الكنيسة وعلاقاتها من "همة جديدة" وسياسة انفتاح كبيرة تميّز عمل الكنيسة وأبنائها الساعين إلى عيش حياتهم وشهادتهم "بفرح ورجاء".

ونبدأ اليوم بسلسلة مقالات أرسلها للموقع الأب منويل بدر، أحد كهنة البطريركية اللاتينية، والذي يعمل منذ عدة سنوات في أبرشية بادربورن في ألمانيا. مع الشكر له ولكل من سيثري الموقع بإسهاماته بمناسبة اليوبيل الذهبي للمجمع:

منذ القرن السادس عشر، أي منذ انشقاق لوثر (1546-1482) عن الكنيسة الكاثوليكيّة في القرن الساّدس عشر، تحصّنت الكنيسة وراء قوانين وقرارات أعلنتها أبديّة لا يجوز ولا يحق تغييرها بدون ضرورة واقعيّة ماسّة. مثلاً قرّرت الكنيسة أن تبقى لغة القدّاس والطّقوس المميّزة هي اللاّتينيّة. وقرّرت كيفيّة موقف المحتفل بالقدّاس أي الكاهن، وهي أن يدير ظهره للحضور ووجهه إلى الصليب. هذا ولا ننسى قانون قبول المناولة إجلالا وتقوى على اللّسان فقط.

أدّى تغيير وتجديد هذه القوانين والتّعليمات أثناء انعقاد المجمع الفاتيكاني الثّاني إلى تفسّخ وانشقاق جديد في قلب الكنيسة نفسها بين فئة المتقدّمين الذين أرادوا تجديد هذا الموقف، وبين المحافظين وعلى رأسهم الكاردينال الفرنسيLe Fevre  الذي رفض المسّ بقرار الكنيسة بعد انشقاق لوثر وحرمه من الكنيسة الكاثوليكيّة. لأنه قرأ في بند من قرارات المجمع التريدنتيني: هذه الطريقة هي مؤبّدة في الكنيسة. فأصبح هو لوثر الثاني، حيث أحدث انشقاقاً داخلياً، لم يقبل لا هو ولا أتباعه ولا خلفاؤه حتى اليوم التراجع عن هذا الرأي الخاص الخاطئ، فينهي تعنّثه الإنشقاق الجديد، الذي كانت الكنيسة بغنى عنه، والقبول بقرار ضرورة التجديد الذي أقرّه أباء المجمع الفاتيكاني الثّاني بالإجماع وأخرج الكنيسة من دائرتها المغلقة والسّماح باستعمال اللّغة المحليّة المفهومة للطّقوس في كل أمّة وشعب.

نعم كانت اللغة اللاتينية هي العلامة المميّزة للتعرّف على وجود الكنيسة الكاثوليكية في أي مكان في العالم، ولكنّ هذا القرار ليس وحياً إلهيّاً أو عقيدة إيمانيّة حتّى لا يجوز المسّ بها، بل هو تنظيم كنسيّ مؤقّت، كان له مكانته في حياة الكنيسة. ولكنّ الظروف اختلفت اليوم وأصبح التغيير والتّطبّع حاجة ملحّة. فالّلغة الّلاتينيّة على ما أدّت من خدمات للكنيسة والّلاهوت في الماضي، عادت اليوم، من بعد الدّور الّذي لعبته في التّاريخ، من الّلغات المائتة، كما يقول المثل، النّادر استعمالها والنطق بها لصعوبة تعلّمها.

بعد ما يقارب ال400 سنة على بعض القرارات والقوانين، الّتي أكل الدّهر عليها وشرب، كانت الكنيسة حتماً بحاجة إلى تجديد داخلي، إلى الظهور بوجه جديد يجاري التقدم التكنولوجي والغيارات الطبيعية التي غزت العالم بسرعة وغيّرت وجهه من حولها. هناك مثل معروف يقول: من يبقى واقفاً فلن يصل إلى الهدف!.

يوم 28 أكتوبر 1958 اعتلى الكرسي الرسولي كبابا، الرّقم 261 بعد القديس بطرس خلفاً للبابا بيوس الثاني عشر، الذي كان قد توفي يوم 9 أكتوبر 1958، كاردينال مسنّ بعمر 77 سنة، كان يشغل آنذاك منصب بطريرك على مدينة البندقيّة الإيطاليّة المشهورة. اسم هذا الكردينال كان رونكالّي Angelo Giuseppe Roncalli. وقد اتّخذ  بعد انتخابه اسم يوحنّا الثالث والعشرين. ولكبر سنّه (وهنا نقول ولثخانته، فهو كان يعتذر من الأربع موظّفين الّذين كانوا يحملونه على الأكتاف في المقعد العالي المسمّى  Sedia Gestatoriaفي الإحتفالات حتّى تتمكّن النّاس من مشاهدته (كان الكل يعتقد أنّه سيكون بابا انتقاليا ولفترة عبوريّة تمهيديّة قصيرة فقط. لكن ما من أحد كان يقدر أن يتنبّأ بالثورة الدّاخليّة والتجديدات الجذريّة الّتي ستتم في الكنيسة على يد هذا الشيخ الجليل والذي أعطي لقب البابا اللطيف(Papa buono) . بل ما من أحد كان يعتقد أنه  سيكون ذاك الملهم، الّذي سيقوم بخطوة تاريخيّة لا مثيل لها، وهي المناداة بعقد مجمع مسكوني، سيخرج الكنيسة بثوب ناصع وحلّة جديدة، كانت بأشدّ الحاجة لها.

فلقد فاجأ البابا الجديد العالم يوم 25-1-1959 وهو يوم عيد ارتداد القديس بولس، حينما أطلّ على الحشود في ساحة الفاتيكان واعتلى منصّة شبّاك مكتبه وأعلن بصوت جهور خبراً ما كان يخطر على البال، قال: "عندما فتحت دفّتي هذا الشّباك دخل ريح جديد في مكتبي وهكذا أريد أن يدخل ريح جديد في كنيسة المسيح الموكلة لي، ريح الرّوح القدس الذي حدث يوم العنصرة في أورشليم. إني أعلن للعالم بأننا نريد عقد مجمع مسكوني ثاني"!. ومن تلك اللحظة أعطي اللقب الإضافي "بابا المجمع". بهذه الكلمات أشعل البابا فتيلة قنديل جديد في الكنيسة ليضيء لها الطريق الذي ستسلكه بعد اليوم. فيمكن أن نقول أن فكرة البابا هذه هي إلهام من الرّوح القدس. وبكلمات قصيرة بسيطة واضحة، راح البابا يصف للسامعين حزنه على إغلاق الكنيسة الطويل للكثير من الأبواب والطرقات تجاه التيارات العلمية الجديدة والدّيانات الأخرى. فهذا الموقف لا يخدم مصلحة وجودها في العالم الّذي تعيش فيه ولا يتطابق مع نيّة المسيح التبشيرية لكسب البشر لرسالته وملكوته. إنّ الإنكماش على نفسها وعدم انفتاحها على ما يجري حولها سبّبا لها فشلاً لعدم فهمها لغة العصر ومشاكله الجديدة. فما عادت لا الجدالات اللاهوتية ولا التشديد على حرمان الهرطقات الجديدة هي مفتاح الحل، بل الحل هو الإنفتاح على العالم والتقرب إليه. – لا شك أن البابا كان قد فهم ما هو موكل عليه من قبل المسيح، أي إدارة ورعاية كنيسته: "أنت الصفاة، وعلى هذه الصّفاة سأبني كنيستي"(متى 18:16 ، يوحنا 21:21).

من هنا، تابع البابا خطابه، ضرورة انعقاد مجمع مسكوني منفتح على العالم والعمل معه للوصول إلى تجديدات جذريّة، مضيفاً العبارة: هذا يتطلّب تجديداً روحياً في الكنيسة. وبما أن هذا التجديد هو عطيّة من عطايا الرّوح القدس، فقد تمنّى البابا أن يصبح هذا المجمع حادثاً مهماً أي عنصرة جديدة في كنيسة اليوم. هذا وقد اختتم البابا خطابه بهذه الصّلاة: "اللهمّ جدّد عجائبك في هذا الزمان بإحداث عنصرة جديدة، وامنح كنيستك، بشفاعة مريم أمّ يسوع، أن تتحلّى وتتقوّى بالصّلاة من أجل توسيع ونشر ملكوتك، الذي هو ملكوت حق وحياة، ملكوت قداسة ونعمة، ملكوت عدل وحب وسلام". (مقدّمة عيد يسوع الملك). ثمّ بارك الحشود ورجع إلى مكتبه ليوقّع دعوة رسميّة لكل المسؤولين في الكنيسة ليخبرهم بهذا القرار البابوي ويتهيّأوا للاشتراك في أعمال المجمع المزمع عقده.

 

ألمانيا – الأب منويل بدر
– / عن موقع أبونا

عن الاتحاد الكاثوليكي العالمي للصحافة - لبنان

عضو في الإتحاد الكاثوليكي العالمي للصحافة UCIP الذي تأسس عام 1927 بهدف جمع كلمة الاعلاميين لخدمة السلام والحقيقة . يضم الإتحاد الكاثوليكي العالمي للصحافة - لبنان UCIP – LIBAN مجموعة من الإعلاميين الناشطين في مختلف الوسائل الإعلامية ومن الباحثين والأساتذة . تأسس عام 1997 بمبادرة من اللجنة الأسقفية لوسائل الإعلام استمرارا للمشاركة في التغطية الإعلامية لزيارة السعيد الذكر البابا القديس يوحنا بولس الثاني الى لبنان في أيار مايو من العام نفسه. "أوسيب لبنان" يعمل رسميا تحت اشراف مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان بموجب وثيقة تحمل الرقم 606 على 2000. وبموجب علم وخبر من الدولة اللبنانية رقم 122/ أد، تاريخ 12/4/2006. شعاره :" تعرفون الحق والحق يحرركم " (يوحنا 8:38 ).